قـــالَت

“سألتني : ما أسوأ الأزمنة ؟

قلت : زمن تختلط فيه أقدار الناس.. يصبح الصغير كبيرا ويصبح الكبير صغيرا.. ويغدو فيه الجاهل عالماً و يصبح العالم جاهلا.. ويموت فيه أصحاب المواهب .. ويقفز على قمته الجهلاء..

سألتني: و أسوأ الأوطان ؟

قلت: وطنٌ يعطيه الإنسان عمراً ويبخلُ عليه بساعة صفاء..

سألتني: و أسوأ المشاعر ؟

قلت: أن يصبح مصيري في يد لا تعرفُ قَدري.. وأن أنام خائفاً من أمسي .. منزعجا من يومي و متحسراً على غدي.

قالت: و أسوأ الشعوب ؟

قلت: شعوب تمسك بها النيران من كل جانب ولا تحاول حتى أن تصرخ.. وتحيط بها النكبات من كل مكان ولا تحاول حتى أن ترفض .. ويحكمها الشر و ترضى .. ويسود فيها الصغار و ترضخ.. ويُذبح فيها الشرفاء كل يوم .. وتضحك !

قالت : و أسوأ العقول ؟

قلت: عقلٌ يرفض كل شيء أو يقبل كل شيء.. يذكرني بمحطات القطارات, بابٌ للدخول و آخر للخروج .. ولا يبقى فيها أحد.

قالت: وأسوأ الأيام ؟

قلت: يوم أعطى الإنسان فيه نفسه ولم يدرك أن كان مجرد صفقه.

قالت: و أسوأ الذكريات ؟

قلت: إنسان أحببته ولا أتمنى أن أراه.

قالت: ما أجمل الأزمنة ؟

قلت: زمان يعرف قدري.. ينصفني إذا أعطيت , يعاقبني إذا أخطأت.. لا مكان فيه لحاقد أو مزيف أو دجال.

قالت: و أجمل الأوطان ؟

قلت: وطن يعطيني بقدر عطائي ولا يخذلني في حبي.

قالت: و أجمل المشاعر ؟

قلت: لحظة أتمنى أن أعيشها ألف مرة ولا أشبع.

قالت: و أعظم الشعوب ؟

قلت: شعوب تصنع العدل بالحكمة.. وتقوم الحكام بالعدل.. وتطفئ النيران قبل أن تكبر.. وترفع كبارها وتعلي شرفاءها.

قالت: و أفضل العقول ؟

قلت: عقل لا يمل البحث عن الحقيقة.

قالت: و أفضل القلوب ؟

قلت: قلب لا يغيب عنه الصدق.

قالت: وأسوأ الرجال ؟

قلت: الرجل حينما يدمن الجُبن.

قالت: و أسوأ النساء ؟

قلت : المرأة حينما تدمن الرذيلة.

قالت: و أسوأ الأيام ؟

قلت: يوم لا أحب أن أذكره.

قالت: و أجمل الذكريات ؟

قلت: يوم لا أنساه.”

~ من كتاب “قالت” لفاروق جويدة