فلسطين التي نُريد – 4 كذبات احذروا منها

في كل ذكرى نكبة تتجدد علينا الجراحات, ونجدد العهود على العودة إلى فلسطين. وبالعقل الجمعي الفلسطيني فإن مفهوم فلسطين والعودة واضح ومتفق عليه جماهيرياً, أما سياسياً فالصورة مختلفة تماماً.

 أسوق هُنا 4 كذبات تتردد علينا باستمرار عبر الإعلام وأفواه السياسيين:

Image

الكذبة الأولى: لا يمكن تحرير فلسطين

كثير من السياسيين وبعض من المثقفين يسوقون لفكرة أن فلسطين التي نريد هي فلسطين عام 1967.. فلسطين التاريخية انتهت.. لا يمكن تحريرها.. وأن الصهاينة قد وصلوا فيها لدرجة من الإستقرار لا يمكن تغييرها.

حقائق:

1-      تاريخياً فإن مطالب كيان الإحتلال والدول الداعمة له أو ما أبدوا استعداداً لمنحنا إياه عبر مختلف مراحل الصراع كان يتناسب مع مستوى ضغط المقاومة أو استسلام المفاوض.

2-      إنشاء اسرائيل هو مشروع استعماري استيطاني استثمرت فيه كل القوى الكبرى. مشروع بهذه المواصفات لا يمكن أن يقبل أن يعطيك ما قبلت به أنت.. القاعدة عندهم كالآتي: اخصم تسعة أعشار ما استعدوا للقبول به وامنحهم إياه لكن بمقابل كبير. إذن: ارفع هذه الفكرة من رأسك فلن تحصل حتى على هذا الفُتات.

ما دامت المسألة كذلك, اعرف حقك وطالب به بقوة

Image

الكذبة الثانية: المقاومة السلمية.

يرفع بعض المستسلمين شعار المقاومة السلمية (كبديل) للمقاومة المسلحة يحل محلها, ويضربون مثلاً بمقاومة غاندي السلمية التي حررت الهند, ويتحججون بالرأي العالمي.

1- الاحتلال البريطاني للهند كان احتلالاً اقتصاديا وسياسياً , لم تصاحبه عمليات نقل للسكان من بريطانيا إلى الهند وتهجير أو إبادة للهنود, المقاومة السلمية الهندية تمكنت من سلب الاحتلال الفوائد التي كان يحصل عليها فخرج. المسألة كانت مسألة فائدة مقابل كُلفة (فكر في الحكاية كمشروع استثماري بدأ يفشل فتخلى عنه صاحبه).

2-  الاحتلال الصهيوني لفلسطين قام على قتل السكان الأصليين ووضع آخرين محلهم. مقاومة سلمية وحدها لن تجعل المستعمرين يعودون من حيث جاءوا – ناهيك عن مفاوضات بدون أي من أشكال المقاومة.

3-  هل من الأفضل أن تجامل رأياً عالمياً منافقاً لا يعترف إلا بالقوي, أم أن تواجه هذا الرأي بالحقائق التاريخية والواقعية – وهي في صفنا – ؟

Image

الكذبة الثالثة: دولة واحدة لشعبين.

وهذه أتفهها على الأغلب.. وبناء على ما تقدم يتضح كيف أن مشروعاً كهذا لا يمكن أن يتم, وإن تم فإن أحد الشعبين سيركب ظهر الآخر بعد أن يضع عليه البردعة (تعرفون ما أقصد).

Image

الكذبة الرابعة: القدس الشريف.

أحد الثوابت الفلسطينية هي القدس (القدس بأكملها) والحرم المقدس بأكمله.

مصطلح القدس الشريف يقصد به من أطلقه الحرم المقدس, وهو في الحقيقة جزء صغير من مدينة القدس على أهميته.

القدس الغربية أيضاً ليست يهودية, هي كانت أحياء عربية أبادتها العصابات الصهيونية وعلينا المطالبة بها أيضاً مع الجانب الشرقي (المليء بالمستوطنات حاليا).

Image

فلسطين التي نريد كما في الصورة بالأعلى..

هي جميلة

وهي ليست بالبعيدة عنا ولا بالقريبة, هي بمسافة الثورة.

Advertisements

ندوب في وجه الربيع

Image

صُراخ

هذا حال بلدان العرب فترة ما بعد الربيع.. الجميع يصرخ ويُطالب.. صبر قرن من الزمان على حكومات الانقلابات والتوريث نفد كله فجأة .. يعلمون ضرورة الوقت لالتقاط الأنفاس.. لتثبيت حكم الثورة في وجه محاولات جادة من الفلول لإعادة تموضعهم.. لكنهم إن طُلب منهم الهدوء لوهلة قالوا لن نستطيعَ معك صبراً.

جاهلية جديدة

البعض إن سألتهم عن رأيهم في مجتمعاتهم قالوا لك: إنها الجاهلية عادت من جديد !

يرفع بلا هوادة شعاراً رائعاً هو تطبيق الشريعة, ولكنه في ذلك لا يرى الشريعة إلا وفق مفهوم خاص وضيق, مفهوم يجعل من الدين رحلة تاريخية, ويرى في حياة الصحابة الأوائل نموذجاً يجب اتباعه في كل الأزمنة..مفهوم يغفل عن سعة الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان, و ينسى أن هناك مصدراً من مصادر الشريعة هو الاجتهاد.. نعم , بالنسبة لهم لقد توقف الزمن عند البعثة.

تطبيق الشريعة عندهم يعني إنفاذ بعض الحدود التي تعطل تطبيقها لفترة من الزمن, متناسين أن الشريعة ليست مجرد قوانين, وإنما هي عقائد وشعائر وقيم أيضاً.

تطبيق الشريعة يعني استبدال مسمى الـ”رئيس” بالـ”خليفة” والذي لا يكون إلا وفق مواصفاتهم. هم غفلوا عن أن القرآن والسنة ما فصّلا في مسألة الحكم ومسائل الاقتصاد وغيرها كثير لكنهما وضعا قواعد عامة وتركا للناس تسيير شؤون دنياهم التي هم أعلم بها..! نسوا أن المذهب الواحد اختلفت فيه الفتاوى بعد سفر صاحب المذهب من قُطر إلى قُطر.. أنه لا مانع في الإسلام من إنشاء البنوك وإنما الربا هو المُحرّم.. وأنه لم يرد تحريم الديموقراطية ولكن ورد أن الشريعة حاكمة فوق الجميع في كل وقت وحين..

هم أنفسهم من كانوا معتزلين السياسة حتى وقت قريب, وهم ذاتهم حرموا الخروج على الحاكم, والآن يهددون بالخروج عليه إن لم يطبق الشريعة في التو واللحظة وعلى فهمهم هم.

جهل

والبعض الآخر يرى الدين حكايا ماضية انتهت ولا تناسب عصرنا الحاضر. الدين بالنسبة لهم ما وقر في القلب وانتهى. والإسلاميون كذبة, هناك فقط تجار دين ومُتأسلمون, والشعوب مسكينة ضحك عليها هؤلاء ليصلوا إلى الحكم. هؤلاء المتأسلمون سُجنوا وعُذّبوا نعم, لكن كل ذلك جزء من مخططهم اللئيم لغسل عقول العامة, ولكن المجتمعات قوم يجهلون..! في إعلامهم يقولون: يجب أن نمنع هؤلاء من المتاجرة بالدين, لكن احذر أن تفكر أننا ضد الدين.. نحن ضد المشايخ فقط.

اخترعوا مصطلحاً جديداً هو “التيار الوطني”, وكأن ما دونهم ليس بوطني, وكأن قوةً ما منحتهم هذا الحق في تصنيف الآخر.

مأخذهم على الإسلاميين أنهم يحكمون على الآخرين بالنوايا ولا يرون حرجاً في تسميتهم “متأسلمين”.. لكنهم لا يرون أن إطلاق هذه الصفة عليهم تدخل أيضاً ضمن الحكم على النوايا..!

إن استفتيتهم في الديموقراطية قال لسان حالهم: مشكلتها أنها سمحت للجميع بقول كلمته.. نحن النخبة وما سوانا هواء.

المجتمعات العربية محافظة بطبعها, لكنها بالنسبة لهم طفل صغير يخشى الخروج من غرفته, وفي أنفسهم يعتقدون أن الناس لو كان عندها وعي كاف لما ارتضت لنفسها إلا نمطاً معينا من الحياة – حياة الإنفتاح (وفق المفهوم الغربي بالطبع). أطلقوا الكذبة وصدقوها حتى أصبحوا يرون أنفسهم الأصل والمجتمع خارجاً عن السياق.

علماء الدين

وهؤلاء أصبحت شتيمتهم من المباحات: من عارض النظام شتمته المناصرون فهو شيخ الناتو, ومن عارض حركة التغيير نعته الثوار بشيخ السلطان. كلا الطرفين نسي أن الإسلام يوازن بين المصالح والمفاسد, وإن المسألة الواحدة قد تختلف فيها الآراء فيحلل البعض الخروج ويحرمه الآخر درءاً لمفسدة أكبر, وكلاهما مجتهد وإن كان أحدهما مخطئاً بالضرورة.

سقطت هذه الحُرمة للأسف بل وسقط الاحترام, وساهم في سقوطها بعض مدعي الإفتاء ممن جعلوا الدين عُرضة لأبسط الخلافات الحزبية أو المسائل الدنيوية, وبعض آخر ممن لا يرون للدين مكاناً في الدولة الجديدة فنراهم يترصدون لهؤلاء الخطأ ويبالغون في تصويره للعامة , تساعدهم في ذلك أجواء الصراخ السائدة وكثرة الفضائيات.

السحيجة

أسهل شيء في هذه الأيام وصف من يخالفك الرأي بالبلطجة أو التسحيج. في كل بلد لكل حزب أو جهة بلطجية وثوار يتبعون له ويؤيدونه, وهم أنفسهم بالمناسبة.. لكن المسمى يختلف باختلاف الناظر في المسألة. للعلم, هؤلاء جميعهم كانوا قبل شهور متحدين في مسيرات الميدان أو في القتال في الميدان ..!

الفضائيات

قرأت في أحد الكُتب وصف مشهد ركن الخطباء في حديقة هايد بارك.. هُناك يمكن لأي شخص أن يعتلي كرسياً في وسط الساحة ويلقي ما يشاء من الخطابات بلا اهتمام وإن كان حديثه بالغ الغرابة أو الجرأة, أو بالغ السخافة أحياناً. الأعجب أنه سيجد دائماً من يستمع له وينصت حتى انتهاء خطبته.

في عصر الربيع أصبحت بيوتنا كلها هايد بارك مصغر.. اقتحمت علينا بيوتنا فضائيات لا حصر لها ولا لتفاهاتها, وكلها تحاول الانتصار لفريق ما لا للحق أو للوطن. هُناك فرق واحد بين بيوتنا وبين هايد بارك الحقيقية: هُناك على الأقل يمكنك أن تناقش الخطيب بكل أريحية وتفند ما يقول, أما التلفاز فلا يمنحك هذه الميزة.

الحرية

الشعب خرج يريد الحرية, وفي الصراخ وتبادل الاتهامات أوشكت أن تضيع هذه الحرية وأصبح مفهومها مبهماً.

البعض يحاول دفع حدودها إلى أبعد مما يحتمله مفهومها: إلى حد إلغاء القانون.. إلى حد التعري في الشوارع العامة..!

والبعض الآخر يحاول سرقة هذه الحرية, فهي محمودة ما أدت في النهاية إلى وصولهم إلى المناصب, وهي ضارة بالاقتصاد والأمن القومي متى ما أحسوا بفقدان السلطة من بين أصابعهم.

الربيع

قلةٌ هم أصحاب نظريتي الجهل والجاهلية, ولكن المشكلة أن صوتهم عالٍ. المهم في وسط هذه المعمعة ألا تختلط الاتجاهات, ألّا تنسينا ضوضاؤهم الأهداف الأسمى, ألا يصم خطباء هايد بارك الجدد آذاننا عن سماع صوت العقل. من عادة الربيع أن يأتي بعد جفاف الخريف وسيول الشتاء, ولا يذكر التاريخ أن مجتمعاً ثار أراد التغيير حصل عليه بسهولة أو يُسر. الشعوب دفعت من أمنها ودماء شبابها, ومن بحة صوتها وعرقها في المظاهرات ما يكفي لأن يدفع الفاتورة, ما يجري الآن طبيعي.. باختصار: هي بلدان قيد الصيانة, وطبيعي في أعمال الصيانة أن تكون هُناك انقطاعات للخدمة وبعض الضجيج.