نحو عقد اجتماعي فلسطيني جديد

العقد الاجتماعي

السلطة والشعب والعلاقة بينهما مسرح نقاش لا ينتهي, وكلما ابتدع الجنس البشري قواعد جديدة لتنظيم هذه العلاقة ظهرت لدينا أشكال جديدة من النظم السياسية وأنماط الحكم. هذه العلاقة يطلق عليها مصطلح “العقد الاجتماعي”, وبما أن وجود السلطة قديم قدم المجتمع الإنساني ذاته فيترتب عليه أن مصطلح العقد الاجتماعي أيضاً ليس مصطلحاً حديثاً, لكن عصر الحداثة وتعقيداته التي أتاحت للسلطة أن تتغول على حياة الناس الخاصة استدعى إحياء هذا المصطلح وأعاده بقوة إلى واجهة علم الاجتماع.

عاد النقاش حول العقد الاجتماعي للظهور بقوة في كتابات جون لوك وجان جاك روسو وذلك في حقبة زمنية كان فيها التطور العلمي يتسارع بشكل مذهل وكذلك تطور المجتمعات الإنسانية والحياة المدنية, مما استدعى وجود شكل من أشكال التعاقد بين طرفي العلاقة الحاكم والمحكوم يقدم كل منهما شيئاً ليحصل على آخر بالمقابل. على سبيل المثال, قدمت المجتمعات الشيوعية الطاعة ومعها شيئاً من حريتها لتحصل على المساواة, وفي المقابل تقدم المجتمعات الغربية الضرائب مقابل حريتها شبه المطلقة والاستقرار. وإسلامياً – حتى وقت قريب- قدم المسلمون البيعة والطاعة والولاء للحاكم الذي يقيم الصلاة ويدافع عن بيضة الإسلام ويطبق الشريعة. الملاحَظ إذن أن لكل مجتمع خصوصيته التي يختلف بناءً عليها نظام حكمه – أو عقده الاجتماعي-, لكن الثابت في جميع الحالات أن معيار تقييم السلطة هو مدى التزامها بهذا العقد, بل إن كتابات جان جاك روسو -ومنها كتاب العقد الاجتماعي- وازدياد وعي المجتمع بحقوقه كانت بحد ذاتها أحد أسباب الثورة الفرنسية التي مهدت الطريق لظهور الدولة الحديثة.

فلسطين

عربياً قامت شرعية أنظمة ما بعد الاستقلال بشكل كبير على أحلام تحرير فلسطين وتحقيق الوحدة العربية, ومقابل ذلك أخذت من أموال الشعوب ومن دمائها ما أرادت. ومع تغيرات العقد الأخير من القرن الماضي أصبحت أحلام التنمية واللحاق بركب العولمة هي المبرر الرئيس لبقاء هذه الأنظمة, وكان الفشل الذريع في هذه المهمة أحد أسباب ثورات الشباب. والآن استقر التعاقد بين هذه الأنظمة والقسم الذي يواليها من المجتمع على بقاء هذه الأنظمة مقابل إبعاد شبح الحرب الأهلية والموت والخراب. أما نحن الفلسطينيين فلسنا كغيرنا في تحديد شكل عقدنا الاجتماعي, وأي خصوصية أكبر من حالة شعبنا الفلسطيني الواقع تحت احتلال استيطاني لا يرحم؟ بناء على هذه الحالة والخصوصية سلّم شعبنا أمره لمن رفع راية التحرير, فكانت منظمة التحرير ممثله الشرعي والوحيد وفق قرارات الشرعية العربية ثم الدولية.

المشكلة أن خطاب هذه المنظمة وأولوياتها تغيرت مع الزمن, وبشكل يبدو للناظر إلى التاريخ بأثر رجعي أنه كان مخططاً بذكاء ووقعنا فيه بسذاجة – أو قل غباء. وها نحنُ الآن – وبشكل يعاكس حركة التاريخ وحركة الشعوب الثائرة والمتحررة- وصلنا إلى مرحلة صارت فيها الأولوية لبناء دولة – أي دولة وعلى أي خريطة – بعد أن كان التحرير هو الأولوية. إشكالية هذا الترتيب أنك عندما تبني تحت سيطرة الاحتلال فأنت فقط تعطيه المزيد مما يمكن أن يساومك عليه, أي أنك يصبح لديك المزيد مما تخسره فقط! السلطة الفلسطينية ظهرت كنتاج لهذه الحالة من التحول في الأولويات, وبعد 20 سنة على إنشائها وجدنا أنفسنا في نقطة من التاريخ لم نكن نتوقع يوماً أن نصل إليها, من ضياع شبه كامل للقدس والأقصى, ومن حصار كامل لكل من يرفع شعار المقاومة, ومن قيادة فلسطينية عارية من أوراق القوة, واستيطان لم يترك من أرض الضفة شيئاً نخشى فقدانه, وفوق ذلك كله انقسام سياسي وحكومتين لا تكاد إحداهما تملك من أمرها شيئاً.

واليوم مع ذهاب الحكومتين وتشكيل حكومة الوفاق ينشغل المثقفون وعموم الناس على السواء بتقييم المرحلة السابقة ونقدها, وهم في ذلك مشارب تختلف مع اختلاف الانتماء السياسي والثقافة ومع اختلاف الأولويات الوطنية, أو قل مع اختلاف العقد الاجتماعي الذي يعتقد كل منهم أنه أبرمه مع الحكومة التي ينتقدها. ومع هذا الاختلاف في الأولويات تختلف بشكل جذري نتيجة التقييم.

على سبيل المثال, أزمات من قبيل أزمة الرواتب, أزمة الكهرباء, الحصار الخانق… وغيرها, يمكن أن تُعد فشلاً ذريعاً وفق أحد المنطقين, ونتاج الصمود على المطالب الوطنية وفق المنطق الآخر. وبنفس المنطق الأول أيضاً يمكن تبرير مطلب إلغاء وزارة الأسرى بدعوى تأمين رواتب الموظفين وعدم إزعاج ضمير الرباعية الدولية, ويمكن أن تصبح المفاوضات السبيل الوحيد لتحقيق المطالب الوطنية – لا أدري أي مطالب على وجه التحديد هل هي مطالبنا عام 1965 أم مطالب اليوم -, ويمكن أن تمتد هذه المفاوضات إلى ما لا نهاية.

إن تأمين العيش الكريم لشعبنا لا يمكن أن يكون في يوم من الأيام شيئاً غير ذي أولوية, فالعيش الكريم أحد مقومات صموده في هذه الأرض وعدم هجرته منها, لكن هذا يجب أن يكون نتيجة لا هدفاً قائماً بذاته.. نتيجة لصمود المقاوم في خندقه والسياسي في موقعه واللاجئ في مخيمه, ويجب أن تكون هذه قناعة راسخة عند الجميع بما فيهم “الموظف” و”الشعب الغلبان” و”المستقلون”, بدون ذلك ستستمر دوامة التدني في الأماني والتنازل في السياسة إلى أن تجد أنفسنا يوماً في مكان لا نجد فيه ما نقدمه للآخر الجشع مقابل هذا الراتب وذلك التصريح.. نحنُ باختصار بحاجة إلى عقد اجتماعي فلسطيني جديد.. أو قل نحن بحاجة إلى عقدنا الأصلي والتشبث به من جديد.

Advertisements